ابن حمدون

257

التذكرة الحمدونية

مكة ، فأدخل عليه رجلا ، فلم يسلَّم عليه بالخلافة ، فقال له المنصور : أيّ رجل أنا عندك ؟ قال : أنت ما علمت الظالم الخائن المستبدّ بالفيء تأخذه من غير حقّه وتضعه في غير أهله . فاستوى له جالسا وقال : وما علمك أنني ظالم خائن ؟ أستقضيت لي فجرت عليك أو على غيرك ؟ أو ههنا شيء تدّعي أنّني أخذته منك ؟ هذه كتبي في ديواني ومع عمّالي آمرهم بالعدل وإيتاء النّصفة والحقّ ، فمن ينكث فإنّما ينكث على نفسه . وهذا عمرو بن عبيد والأعمش وسفيان الثوريّ ، أدعوهم إلى عملي فيمتنعون ، فأطلب أهل العدالة والأمانة في الظاهر فإذا اختبرتهم وجدتهم خونة فجرة ، أفأقدر أن أولَّي الملائكة ؟ أو ما علمت - لا علَّمك اللَّه خيرا - أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم شكا بعض عمّاله والوحي ينزل عليه ؟ أو ما علمت أنّ عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه شاطر جماعة من عمّاله أموالهم ، منهم سعد بن أبي وقاص ، وعبد اللَّه بن مسعود ، وعمرو بن العاص ، وأبو هريرة ؟ وأمّا الفيء الذي زعمت أنّني أستبدّ به وآخذه من غير حلَّه ، وأضعه في غير أهله ، فأخبرني : أمحتاج أنت إليه ؟ فإن قلت : نعم ، سألنا عمّا ادّعيت ، فإن كنت صادقا أعطيناك بقدر ما يكفيك ، وكنت الظالم لنفسك إذ لم ترفع إلينا حاجتك ، وكان المغيّب عنّا مستورا . وإن كنت كاذبا ، فما لك في هذا الفيء نصيب ، لأنّ اللَّه تعالى قسمه أقساما لم يجعل فيه لغنيّ حقّا ، ولا مثلك يعطى من هذا الفيء وأنت بفناء قبّة امرأتك وحجلتها تتمرّغ على مهادك ، وتتثنّى على وسادك ، ولا تغزو سبيلا ، ولا تجيب أميرا . وبعد ، فما يؤمنك أن أبطش بك ، فيقول الناس : وعظ أمير المؤمنين فعاقبه ؟ فقال له : وددت أنّك عاقبتني . قال : هيهات ! إذن كنت تتّخذ عقوبتي سوقا وتقيمها تجارة ، وينظر الناس إليك بعين تعظيم وتبجيل ؛ لا واللَّه ، ولكن أدعك استهانة بأمرك ، واستخفافا بموضعك ، فتخرج إلى أصحابك فتقصّ عليهم خبري وخبرك ، فإن صدّقوك قالوا : استضعفه وهان عليه ، وكان عنده ممّن لا حجّة له ، وإن كذّبوك ضحكوا منك 17 التذكرة الحمدونية 9